وماذا بعد؟؟.. تحول نوعي في الدبلوماسية المصرية.. ثقل إقليمي ودور محوري في مواجهة عواصف المنطقة
الخميس 17/سبتمبر/2026 - 07:29 م
بقلم: محمود عبد الحليم
طباعة
حين تتأمل المشهد الإقليمي والدولي الراهن وتتابع خطوط التماس السياسية والعسكرية الملتهبة في المنطقة يفرض السؤال المعتاد نفسه ببالغ الثقل والعمق:
وماذا بعد؟؟
إلى أين تتجه السياسة الخارجية المصرية وكيف استطاعت الدولة في هذه اللحظة الفارقة والدقيقة أن تحول قوتها الشاملة إلى محرك أساسي وصانع للأحداث بدلاً من الاكتفاء بإدارة ردود الأفعال؟
إن المتابع للتحولات التي شهدتها وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج يدرك بلا ريب أن الدبلوماسية المصرية تعيش نقلة نوعية واستراتيجية قائمة على الحيوية والمبادرة واختراق الملفات المعقدة، لم تعد الخارجية مجرد أروقة للبيانات الرصينة بل أصبحت شعلة نشاط وحركة ميدانية لا تتوقف يقودها الدكتور بدر عبد العاطي برؤية مرنة وحس وطني عالي التنسيق جعل من المؤسسة الدبلوماسية المصرية رقماً صعباً وحاضراً بفاعلية في كل ملفات المنطقة.
لقد تجسدت هذه الديناميكية في تحول الساحل الشمالي والعاصمة إلى مرتكزات حقيقية لصنع القرار الدبلوماسي حيث أديرت قمم مصغرة واجتماعات تشاورية رفيعة المستوى ضمت وزراء خارجية ومبعوثين دوليين لتؤكد الخارجية المصرية قدرتها على جمع الفرقاء وصياغة الحلول التوافقية لحماية الأمن القومي العربي والإفريقي.
ويرتكز هذا التحول المؤسسي في عمل الخارجية على أركان جوهرية، أبرزها الدمج بين الدبلوماسية والتنمية من خلال صياغة مفهوم "الدبلوماسية التنموية" بربط العمل السياسي بالتعاون الدولي وتحويل العلاقات الخارجية المتينة إلى فرص استثمارية واقتصادية تدعم الداخل المصري، وأيضا الحركة المبادرة في الملفات المشتعلة من السودان وليبيا إلى الصومال والقرن الإفريقي، إلى جانب الدفاع الثابت والمستميت عن حقوق الشعب الفلسطيني والقضية المركزية للأمة، كما نجحت الخارجية المصرية في بناء شبكة علاقات متوازنة وواثقة مع القوى الدولية الكبرى، مع الحفاظ الكامل على استقلالية القرار الوطني ومصلحة مصر العليا.
ولعل ما شهدته الأيام القليلة الماضية يعكس حجم الرزانة والثقل الذي تتمتع به الدولة المصرية في أوقات العصيبة ففي ظل عالم يمر بتحولات غريبة وصراعات جيوسياسية غير مسبوقة تجلت المحورية المصرية في محطات متتالية أخرها معرض ومؤتمر العلمين الدولي للطيران (EIAS 2026) والذي أظهر عمق الرسالة المصرية للعالم؛ رسالة تجمع بين الامتلاك الفعلي لأسباب القوة والتكنولوجيا الحديثة، وبين الاستقرار والقدرة على تنظيم أرفع الفعاليات الدولية الاستراتيجية وسط منطقة تعج بالاضطرابات، المشاركة الفاعلة في قمة البريكس، حيث أثبتت مصر حضورها القوي داخل هذا التكتل الدولي الصاعد، صانعة لنفسها مساحة مناورة اقتصادية وسياسية تخدم تطلعات الدول النامية وتكسر أحادية القرار العالمي.
زيارة الأمير محمد بن سلمان للقاهرة، والتي جاءت في توقيت بالغ الدقة والحساسية لتشكل محطة فارقة في الشراكة الاستراتيجية المصرية السعودية؛ حيث تسعى القيادات الإقليمية والدولية لأخذ الرأي والمشورة من القاهرة، والبحث عن الحكمة والاتزان الذي تمثله الدولة المصرية لترسيخ الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة نحو مسارات مجهولة.
إن إجابة السؤال بـ "وماذا بعد؟" تتجلى اليوم في هذا الواقع.. مصر لا تكتفي بمراقبة التحولات الدولية بل تخوضها بثبات وتؤكد للجميع أن القرار الإقليمي والسلام الاستراتيجي يمران دوماً عبر بوابة القاهرة.